ابن كثير
240
البداية والنهاية
وقد تقدم أن ذلك إنما رآه أخوه موسى الهادي . وأبوه محمد المهدي فالله أعلم . وقدمنا أنه أمر بحفر قبره في حياته ، وأن تقرأ فيه ختمة تامة ، وحمل حتى نظر إليه فجعل يقول : إلى هنا تصيريا بن آدم . ويبكي ، وأمر أن يوسع عند صدره وأن يمد من عند رجليه ، ثم جعل يقول : ( ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه ) [ الحاقة : 28 - 29 ] ويبكي . وقيل : إنه لما احتضر قال : اللهم انفعنا بالاحسان ، واغفر لنا الإساءة ، يا من لا يموت ارحم من يموت . وكان مرضه بالدم ، وقيل بالسل ، وجبريل الطبيب يكتم ما به من العلة ، فأمر الرشيد رجلا أن يأخذ ماءه في قارورة ويذهب به إلى جبريل فيريه إياه ، ولا يذكر له بول من هو ، فإن سأله قال : هو بول مريض عندنا . فلما رآه جبريل قال لرجل عنده : هذا مثل ماء ذلك الرجل . ففهم صاحب القارورة من عنى به ، فقال له : بالله عليك أخبرني عن حال صاحب هذا الماء . فإن لي عليه مالا ، فإن كان به رجاء وإلا أخذت مالي منه . فقال : اذهب فتخلص منه فإنه لا يعيش إلا أياما . فلما جاء وأخبر الرشيد بعث إلى جبريل فتغيب حتى مات الرشيد . وقد قال الرشيد وهو في هذه الحال : إني بطوس مقيم ما لي بطوس حميم * أرجو إلهي لما بي فإنه بي رحيم لقد أتى بي طوسا قضاؤه المحتوم * وليس إلا رضائي والصبر والتسليم مات بطوس يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة ، وقيل إنه توفي في جمادى الأولى ، وقيل في ربيع الأول ، وله من العمر خمس ، وقيل سبع ، وقيل ثمان وأربعون سنة . ومدة خلافته ثلاث وعشرون سنة وشهر وثمانية عشر يوما . وقيل ثلاثة أشهر . وصلى عليه ابنه صالح ودفن بقرية من قرى طوس يقال لها سناباذ . وقال بعضهم : قرأت على خيام الرشيد بسناباذ والناس منصرفون من طوس من بعد موته : منازل العسكر معمورة * والمنزل الأعظم مهجور خليفة الله بدار البلى * تسعى على أجداثه المور أقبلت العير تباهي به * وانصرفت تندبه العير وقد رثاه أبو الشيص فقال : غربت في الشرق شمس * فلها العينان تدمع ما رأينا قط شمسا * غربت من حيث تطلع وقد رثاه الشعراء بقصائد . قال ابن الجوزي : وقد خلف الرشيد من الميراث ما لم يخلفه أحد من الخلفاء ، خلف من الجواهر والأثاث والأمتعة سوى الضياع والدور ما قيمته مائة ألف ألف دينار ، وخمسة وثلاثون ألف دينار . قال ابن جرير : وكان في بيت المال سبعمائة ( 1 ) ألف ألف ونيف .
--> ( 1 ) في الطبري : 10 / 124 : تسعمائة .